ابن الجوزي

348

كتاب ذم الهوى

ما حاله ؟ أبه مسّ من الجن ؟ قالت : لا واللّه ، لكنه نشأ وابنة عم له في مكان واحد ، فعلقها ، وعلقته ، فحبسها أهلها عنه ، ومنعوها منه ، فزال عقله ، وصار إلى ما ترى ، فقلت لها : ما اسمه ؟ فقالت : عكرمة . فقلت : أيا عكرمة : ما أصابك ؟ فقال : أصابني داء قيس * وعروة وجميل فالجسم مني نحيل * وفي الفؤاد غليل قال : فتركته ومضيت . وبالإسناد حدثنا ابن المرزبان ، قال : حدثني عبد الرحمن بن عبد اللّه السّرخسي قال : حدثني عباس بن عبيدة ، قال : كان بالمدينة جارية ظريفة حاذقة بالغناء فهويت فتى من قريش ، فكانت لا تفارقه ، ولا يفارقها ، فملّها الفتى ، وتزايدت هي في محبته ، وأسفت ، وغارت ، وولهت ، وجعل مولاها لا يعبأ بذلك ولا يرقّ لشكواها ، فتفاقم الأمر بها ، حتى هامت على وجهها ، ومزّقت ثيابها ، وضربت من لقيها ، فلما رأى مولاها ذلك عالجها فلم ينجح فيها العلاج ، وكانت تدور بالليل في السكك بعد الطوف ، فلقيها مولاها ذات يوم في الطريق ، ومعه أصحاب له ، فجعلت تبكي وتقول : الحبّ أول ما يكون لجاجة * تأتي به وتسوقه الأقدار حتى إذا اقتحم الفتى لجج الهوى * جاءت أمور لا تطاق كبار قال : فما بقي أحد إلا رحمها . فقال لها مولاها : يا فلانة ، امضي معنا إلى البيت فأبت وقالت : شغل الحلي أهله أن يعارا « 1 » . قال : وذكر بعض من رآها ليلة وقد لقيتها مجنونة أخرى ، فقالت لها : يا فلانة

--> ( 1 ) مثل يضربه المسؤول شيئا هو أحوج إليه من السائل .